الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة "البخّارة"... مسرحية تجسّد معاناة أجيال أنهكها جحيم بيئي دمّر الإنسان والطبيعة، فمن يعيد نور الشمس التي انطفأت ومن يتذكّر تلك النجوم؟

نشر في  19 جانفي 2025  (15:45)

بأجساد تائهة اعتصرت وجعا، وتقطّرت خوفا من مصير غامض جثم على قلب المدينة فأغرقها في دوّامة ضجّت بالضباب الخانق المفترس... دخان تصبّغ بلون الأسى وأتى على البشر والحيوان والشجر وحتّى الحجر...

بصرخات كاد أن يكتمها النسيان، وحركات تائهة كأنّها تتخبّط في عمق طوفان، علا صوت أبطال مسرحية البخارة ليكشف عن حجم المعاناة التي تعيشها مدينة قابس جرّاء التلوّث البيئي الذي تتسبّب به الوحدات الملوثة للمجمع الكيميائي التونسي جوّا وبرا وبحرا "بخّارة وفوسفوجيبس"..

فمن قال إن المسرح ليس صوتًا يصرخ بآلام الإنسان، وجسرًا ينقل أوجاعه من الظلّ إلى النور؟  ففي مسرحية  "البخارة" من  انتاج مسرح الاوبرا تمكّن المخرج الصادق الطرابلسي  من تجسيد الأزمة البيئية الخطيرة التي يعاني منها متساكنو ولاية قابس الذين أضحت الأمراض والأسقام تتهدّد حياتهم لكن لا سميع ولا مجيب !

"ويني الشمس... ويني الشمس"!

منذ الدخول إلى قاعة العرض، يلفح المشاهدين دخان يتلبّده السواد تزيد من عتمته أصداء  نظنّ أنها حشرجة احتضار أخير.. وما هي إلّا لحظات حتّى يصعد الممثّل رمزي عزّيز  (المولدي) على الركح وهو يلتحف لباس الغيهب رافعا كلتا يديه مناجيا بحركات دائرية شاردة السماء ويتوسّلها بنظرات تائهة يصرخ على إثرها: " ويني الشمس.. ويني الشمس..." !؟

Peut être une image de 1 personne et danser

شمس قد انطفأت من سماء المدينة المكلومة بفعل الدخان المتصاعد النافث للسموم، وفانوس بشري كان ينير حياته  فخبا وتحوّل الى نجم معلّق في غيم المفقودين الذين سلب المرض الخبيث حياتهم بعد شقاء وعذاب.

وفي صعود لمستويات التشفير الدلالي للمسرحية، يطلّ على الركح من سرداب الضباب خمسة ممثلين يتقدّمون بحركات روبوتية حتّى تخالهم جثثا متحرّكة او ما يعبر عنه بالـ"زمبي" توصيفا لحالة الاختناق الذي تسبّبه مادّة "البخارة" السامة المتصاعدة يوميا في سماء المدينة..

Peut être une image de 4 personnes

وفي حضن العناصر المسرحية الدالة عن حجم الكارثة البيئية ومخلّفاتها، تنساب الموسيقى التصويرية والمؤثرات الصوتية في "البخّارة" لتأخذ منحى داعما للصورة الإيقاعية للعرض وللسينوغرافيا واللغة التعبيرية لأجساد الممثلين، فنرى نسقها يهفت حينا ثمّ يتصاعد أحيانا بجنون وفوضى معبّرا عن حالة التشتّت والخوف من هاجس الجحيم المتأهّب لإطلاق عنان عربدته لإسقاط الأرواح في أيّ لحظة..

Peut être une image de 4 personnes et personnes qui dansent

في اكثر من 10 لوحات مشهدية وبسينوغرافيا بسيطة دالّة تحاكي حجم الخواء وتنقل للمشاهد رائحة الذبول والموت، يكابد الممثلون للإمساك بالفاجعة والتعبير عن حجم المأساة التي تعيشها مدينة قابس جرّاء الثلوّث البيئي الخانق والمميت الجاثم عليها منذ اكثر من 50 سنة. ترصد مسرحية البخارة حالة المعاناة التي يشقاها المتساكنون، كما تنقد صمت السلطات ورؤوس الأموال عن حجم الكارثة التي حوّلت حلم الكثيرين في العيش الكريم صلب مدينتهم الجميلة إلى كوابيس وأضغاث تنغّص أمانيهم البسيطة وحتّى لا تذبل الأجساد وترتقي الأرواح فتتحوّل الى نجوم تحاكي وجع أجيال وأجيال كما جاء على لسان احد شخصيات المسرحية:

(" أذيكا نجمة حمزة... وأذيكة نجمة قمر... نجمة لايكا...).

Peut être une image de 3 personnes

تلك هي التيمة الفنية التي اشتغل عليها المخرج الصادق الطرابلسي في مسرحية البخارة حتّى ينقل لنا فداحة أن يكون الإنسان محكومًا عليه  بالموت وبانتظار عبثي لا طائلة منه متسائلا هل سيأتي "غودو" ليخلّصه، كما وقفت شخصية "نضال" في مسرحية "البخّارة" لتصفع بلاءاتها كل صوت مهزوم مكتوم عن المطالبة بحقّ مشروع في بيئة نظيفة وسليمة بدل العيش تحت وطأة بيئة قاحلة، خاوية من الأمل في إنبات أي شيء.

"محصورين في ديارنا كيما الفيران، أمك ماتت، بوك ضربو "الكونسار"، كلبتك البارح ماتت.. أخزر لحالتك، شوف بدنك.. أخزر لسنّيك.. الرمل سواد، النخل شاح، العصافر هجّت..." (هكذا صرخ الممثل علي بن سعيد الذي يجسّد دور نضال كما هو اسم على مسمّى في النضال من أجل الحقّ والحياة).

Peut être une image de 1 personne

تجدر الاشارة إلى أنّ مسرحية "البخارة" فازت منذ أيام بالجائزة الكبرى للمهرحان العربي للمسرح في دورته 15 التي انتظمت بسلطنة عمان. وهي نص لإلياس الرابحي، تمثيل رمزي عزيز ومريم بن حسن وعلي بن سعيد وبلال سلاطنية ومكي بليغ. كما كانت قد فازت بالتانيت الذهبي لأيام قرطاج المسرحية في دورتها الأخيرة، وبجائزة أفضل عمل متكامل في المهرجان الوطني للمسرح التونسي "مواسم الإبداع".

منارة تليجاني